التنقيح في قضية التلقيح


Qana.news
2021-02-08

لا بد لأي عمل عُقلائي ترجيح كفة الإيجابيات على السلبيات، وهذا الأمر يسري على العلاجات التي يقدمها الطبيب منذ آلاف السنين، حيث أن جُلها لا يخلو من آثار سلبية لا تكاد تصمد حين الموازنة بينها وبين المنافع، و على الطبيب الحذق أن يختار أفضل العلاجات التي تتفوف منافعها على مضارها.

لطالما كان التلقيح هو السلاح الاستراتيجي في الحروب التي دارت مع الأوبئة أو الجوائح وكان هو السبب الأساسي الذي حسم هذه المعارك لصالح البشرية، ولو لم يكن، لكنا نرى أنواع وسلاسات من الفيروسات والجراثيم مما نقرأ عنها في كُتب التاريخ الطبي حالياً أو لكانت استمرت هذه الملاحم لحد الآن.

سنُهمل في حديثنا ذكر عبارة الجراثيم كوننا نتحدث عن فيروس حالياً.

اللقاح هو محاكاة تعليمية للإصابة بالفيروس تُمكن الجهاز المناعي من إعداد العدة وتحضير الأسلحة لمجابهة الفيروس الحقيقي عندما يغزو الجسم، فيتم تقييده بسرعة وتعطيل فاعليته ومنعه من إحداث المرض أو تخفيف شدته ووخامته بحيث إن حصل يبقى الجسم قادراً على الإستمرار بالحياة ويتعافى تدريجياً وبسرعة.

إن الهدف الرئيسي للقاح، خاصة في ظل الأوبئة، هو حماية المجتمع عبر وقف انتشار الفيروس، حيث أنه من المعروف أن أي وباء يتباطئ انتشاره مع ارتفاع نسبة المناعة المجتمعية Herd Immunity ويتوقف عند الوصول إلى نسبة معينة منها، تجاوزت ٩٠٪ في بعض الأوبئة السابقة وهذه النسبة غير معروفة للآن للجائحة الحالية.

المناعة المجتمعية تتحقق بطريقين، أولهما الإصابة، فكلما ارتفعت أعداد المصابين زادت المناعة المجتمعية، ولكن هذا سيُبقي الجائحة مستشرية لوقت طويل ومفتوح مع حتى الوصول إلى النسبة المرجوة، في حال وصلت، ما تحصده بطريقها من وفيات ومرضى وحالات صحية لا يمكن للنظام الصحي التعامل معها ومن الممكن أن تتطور بفعل الانتشار طفرات وسلالات أخرى من الفيروس ما يؤدي لبقاء المجتمع في حلقة مفرغة لا نهائية.
الطريقة الثانية هي عبر تلقيح المجتمع وإكساب الأفراد للمناعة الذاتية التي تخفض تأثير الفيروس عليهم وبالتالي تقلل من احتمالية تطوير اعراض مرضية تستلزم العناية الصحية والأهم أن إمكانية تصدير العدوى تخف لدى مُتلقي اللقاح وإن حصلت لن تكون بنفس التأثير على المُتلقي للعدوى وهكذا دواليك حتى تضعف العدوانية وتقف السلسلة وبالتالي الإنتشار.

إذا، التلقيح هو الأداة العُقلائية الإنسانية الأخلاقية العلمية العملية الأسرع التي تحفظ الأرواح وتوقف الجائحة، وذلك عبر:
١. خفض تأثُر المُلقَح في حالة إصابته بالفيروس وبالتالي خفض تطور حالة مرضية لديه تحتاج إلى رعاية صحية او مهددة للحياة.
٢. قطع السلسة الإنتقالية بين الأشخاص بحيث أن إحتمالية تصدير العدوى لدى المُلقح منخفضة عن غير المُلقح بسبب أن الأعراض إن تطورت ستكون أخف.
٣. الحد من الطفرات والتحولات في الفيروس ما يمكن أن يؤثر على سير الوباء وفعالية اللقاح، بحسب نوع الطفرة الحاصلة حيث أن الفيروس يطرأ عليه تغيرات حين تعامل الجسم معه، وهنا أهمية الإسراع في التلقيح لكافة شرائح المُجتمع في حال إمكانية ذلك.

ومن السابق اتضح لنا ايجابيات اللقاح، فماذا عن السلبيات؟ الجواب هو أن اللقاح كأداة لا سلبيات له وإنما المشاكل التي من الممكن أن تنتج عن اللقاح هي بسبب التقنيات العلمية المختلفة التي تُستخدم لتعريف جهاز المناعة على الفيروس ومُحاكاة المعركة تحضيراً لخوضها لاحقاً.

واللقاح يتألف من جزئين رئيسيين، العنصر الأساسي الذي سيتعرف عليه جهاز المناعة و وسيلة نقله إلى الجسم ودخوله الخلية بطريقة تحافظ على فعاليته.

في أنواع اللقاحات يتم إختيار العنصر الأساسي إما من جُزيئات الفيروس أو حتى الفيروس كاملاً بعد إضعافه لسلبه القدرة على تسبيب المرض، والنوع الجديد من اللقاحات اعتمد طريقة حديثة هي إدخال رسالة لخلية معينة بالجسم لتصنع جزء من الفيروس وهي المعروفة بتقنية الmRNA، هذه الرسالة تعطي الأمر لصناعة العنصر الذي سيتعرف عليه جهاز المناعة وتموت، وهي عملية تحدث الملايين منها في كل جزء من الثانية في الجسم وسبب أساسي في بقائنا على قيد الحياة، وهي تعتبر خلاصة لعمل الشيفرة الوراثية DNA وليس لها أي أثر راجع عليه، حتى أن عملها يدور في هيولى الخلية Cytoplasm ولا تدخل إلى نواة الخلية Nucleus حيث يوجد DNA المحاط بدرع حصين. أما بالنسبة لوسيلة النقل فهي تختلف من شركة مصنعة لأخرى.

تنتج عادة الآثار الجانبية عن وسيلة النقل والمواد المستخدمة في صناعتها وهي تحدث بنسبة قليلة جداً لدى بعض الأشخاص، أما العنصر الأساسي فلا ينتج عنه أي أضرار إلا ما قد ينتج، عند نسبة قليلة جداً من الناس، عن ردة فعل قوية جداً لجهاز المناعة اتجاهها، وهذا أساساً ما كان سيحصل لو أصيب الشخص بالفيروس نفسه، وبالتالي لا يُمكن اعتباره آثار جانبية حقيقة للقاح.

اللقاح الناحج هو الذي يؤدي لتشكيل مناعة بمستوى عالي تؤدي لاحقاً لمواجهة سريعة تُحاصر الفيروس عند دخوله للجسم وتمنعه من التثبت على الخلايا وبالتالي تُخفف من إمكانية تطوير أعراض مرضية.

كل اللقاحات المتداولة حالياً أثبت الدراسات العلمية التي أجريت حولها نجاعتها في إحداث تحصين مناعي لدى الإنسان رغم اختلاف التقنيات المستخدمة بينها، كما أن نسبة حدوث الآثار الجانبية التي قد تنتج عنها قليلة جداً وهي بمجملها مشاكل صحية خفيفة تزول دون آثار.

إن فائدة اللقاح عظيمة اتجاه المجتمع والفرد و العالم بأسره، ولا يُمكن لعاقل أن يرفضه، حيثُ لا مُقارنة بين الإيجابيات والدور الأساسي له في إنقاذ البشرية من هذه الجائحة، و بين السلبيات التي تطال بعض الناس على مستوى فردي.

وبتوفر أنواع كثيرة تعتمد تقنيات مُختلفة للقاح، لا مُبرر لأحد أن يستنكف عن تلقي اللقاح، كهل أم شاب، ذكر أم أنثى، سليم أم يعاني من أمراض.

فلنُثّبت موقفنا الإيجابي من اللقاح باعتباره المنقذ للبشرية... ثم إختر النوع الذي تشاء.
بقلم :الطبيب الدكتور قاسم قمر


الاراء الموجودة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وادارته، بل عن وجهة نظر الكاتب او المصدر المستقاة منه.

التنقيح في قضية التلقيح