حكايا جنوبية : عملية السمكة!



2020-05-23


‎لا يعرف مهدي الذي يلهو بالآيباد ما هو «الحوز». هو الشجر الذي يلقي برأسه فوق حوض النهر ويتلألأ بثمره تحت الشمس: «احذروا أن تأكلوه، هو يشبه حبات الخوخ الصغيرة، لكن سأقول لكم سراً: «زومه» حين يُدقّ يقطع عن السمك الماء والهواء»، كانت أمي تحذّرنا كلما تطاولت أيدينا لهذا الثمر ــــ الفاليوم. نزلت أنا ومحمود سعادة الى النهر، وقررنا أن نعود بزوادة سمك تغنينا عن طبخة المجدرة التي كرهتنا وكرهناها في بيتنا في الأعلى. الخطة بسيطة: نختار منطقة نسميها «الدوّار»، عادة ما تكون محصورة من اتجاهات ثلاثة، نحوّل مجرى الماء عنها ونغلق الجهة الرابعة بالحجارة وأكياس النايلون. أحدنا يدق «الحوز» والآخر «يعوكر»، أي يدوس برجليه التراب الراكد تحت الماء: نرمي الحوز المطحون في الماء المتعكر، فيخرج السمك الصغير (البزرة) أولاً، كان قلب محمود رقيقاً، إذ بشبكة صغيرة كان يرميه مباشرة في «السبلة». بعدها مباشرة يبدأ «الشغل»، تظهر الأسماك المتوسطة والكبيرة تباعاً، أخرجنا يومها ثلاثين سمكة أو أكثر بقليل، وتقدمت لأزيل الأحجار بركلة من قدمي لنعيد للنهر انتظامه القديم، حين صرخ بي محمود: «توقّف»، «حنشة... حنشة»، لقد رأيتها للتو. «الحنشة» كانت تعني سمكة بطول مضاعف، وتعطي من يحظى بها وسام الاعتراف من الأتراب بالمراس في الصيد. طوقنا السمكة ذات اليمين وذات الشمال، وحين قلت لمحمود إنها صارت في قبضتي، «زلبطت» وخرجت من الدوار بأسره: إنها بطول الذراع تماماً. كنت قد أخبرتُ محمود في أول المغامرة أني في صغري «شربت من ميّة البِركة» في سجد، فقال لي ضاحكاً «أنت عنيد كالغزالة التي تشرب من البركة ويسمونها الكرّاز». حين هربت الحنشة، باغتني محمود: «فرجيني إذا عنجدّ شربان من ميّة بركة سجد». عرفت فوراً أنه قرر أن يطارد السمكة. توغلنا نزولاً في النهر: قطعنا جسر المعديّة، جنوباً حتى دوّار الجورة ونحن نلمح السمكة تعدو أمامنا، إذ إن منسوب النهر يتضاءل نزولاً، وجلدها البني يفضحها تحت الشمس. نصف ساعة من المطاردة ويصرخ بي محمود: «انظر، لقد رمت بنفسها في تلك النقعة»، «game over».
لم نكن نعرف أننا صرنا تحت موقع السويداء تماماً، إذ ما إن اقتربنا من السمكة حتى بدأ إطلاق الرصاص. بدأت الحفلة بمزاح بسيط، زخات من القنص ليتبعها رشق من الماغ، لكن الحنشة كانت قد صارت بقبضتنا. صارت أرجلنا تلتصق بظهورنا من الركض، عدنا أدراجنا ليبدأ «الهبج» من الاتجاه المعاكس. بدأت مرابض الهاون التابعة لل م ق ا و م ة تصلي بحممها موقع السويداء. كانت أمي تنتظرني أول الطريق الموصل الى النهر، لوّحتُ لها بـ«الحنشة» من بعيد بعدما تنازل محمود عن حصته منها. في المساء، حين أذاعت ا ل م ق ا و م ة بياناً حول عملية السويداء، وبعدما قال لي طارق: «الله لا يعطيكم العافية، خليتونا نفتح جبهة اليوم»، قلت لمحمود إن تلك السمكة كالشهداء، ستجعل الذاكرة نهراً بماء غزير.

بقلم: محمد ناصر الدين - صحيفة الأخبار

الاراء الموجودة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وادارته، بل عن وجهة نظر الكاتب او المصدر المستقاة منه.

حكايا جنوبية : عملية السمكة!