نبذة عن قانا


أصل التسمية والتطور التاريخي للبلدة:
قانا بلدة تابعة لقضاء صور ومحافظة لبنان الجنوبي، وقانا إسم عبري معناه "مكان القصب" أو "موضع القصب". هذا الإسم يُشتقّ "من كاني في اللغة الكنعانية وتعني الأسَل والقصب، كما يُشتق من كانا وهي إسم مؤنث له المعنى عينه" . وقد أورد العلامة الشيخ ابراهيم سليمان في كتابه بلدان جبل عامل أنّ "قانا هي إحدى قواعد المقاطعات العامليّة وتقع على مرتفع من الأرض شرقي صور، وقد بلغ عدد نفوسها في إحصاء 1924سبع مائة وسبعون شيعيًّا ومئتان وثمانية وثمانون مسيحيًّا من الكاثوليك، والمهاجرون منها يزيدون عن الستّ مائة ما بين مسلم ومسيحي".
قانا بلدة تمتاز بمكانتها ودورها الريادي بين قرى المحيط، كما أنها تمتاز بتعايش أبنائها المسلمين والمسيحيين. وهي واحدة من كبريات قرى قضاء صور كما أنها تمتاز بنسبة مهمة من أبنائها المسيحيين الذين يقيمون في حيّ خاص بهم في جانبها الشرقي .
والبلدة قديمة جدًّا، عاصرت الفينيقيين. وما قبر الملك الفينيقي حيرام على مسافة قريبة منها، في بلدة حنويه الملاصقة لها من ناحية شمالها الغربي، سوى شاهد على قِدَمِها، وورد في معجم قرى جبل عامل أنّ البلدة غنية بآثارها القديمة "آثار فينيقية وآثار رومانية".
أورد العلامة الشيخ ابراهيم سليمان في كتابه "بلدان جبل عامل" أنها كانت "مركز حكومة مدة من الزمن لآل شكر ثم لآل علي الصغير وأنها كانت مرجع قرى الساحل ويقام فيها سوق الأحد". كما ورد في المعجم "أنّ الشكريين اتخذوها مدة حكمهم الإقطاعي إحدى قواعدهم". والملاحظ في كلمات المؤرخين المعنيين بتاريخ جبل عامل، أن قانا كانت إحدى القواعد الثمانية في التقسيم الإداري لعهود الإقطاع، ويعني ذلك أنها كانت بمثابة مركز القضاء في الإصطلاح الإداري الحالي .
إستمرّ تطور البلدة مع مرور الزمن حتى يومنا هذا وزادت بيوتها السكنية وتشعبت حاراتها وأزقتها فتلاصق بعضها وبرز بعض آخر حديثاً، واستمرّ سوق الأحد حتى اليوم يستقطب أبناء البلدة وقرى الجوار يبتاعون منه حاجياتهم، وهو رغم كلّ التطور الذي طرأ بشكل عام مع بروز المجمّعات التجارية، لا يزال يمتاز بحيوية إستثنائية، ويُعتبر مقصداً للكثيرين من أبناء الجوار، خصوصاً أصحاب المداخيل المحدودة. ويبرز التطور في البلدة من خلال عدة مظاهر وضعت قانا في مصاف البلدات الأكبر في قضاء صور، فهي إضافة لمساحتها الواسعة والبالغة 1098 هكتاراً، تضم اليوم حوالى1600منزلاً، من ضمنها بعض القصور والفيلات، و316 مؤسسة إقتصادية أغلبها يحمل الصفة التجارية المختلفة الحجم، إضافة إلى بعض المؤسسات الصناعية (حدادة ، أخشاب ، بلاستيك...)، كما أنها تضم اليوم حسينيتين وكنيسة ومزارًا للسيدة العذراء مريم(ع)، و10مساجد ومجمّعًا ثقافيًا وقصرًا بلديًّا ومكتبتين عامّتين ومركزين كشفيين ومدرستين رسميتين، واحدة ثانوية وثانية متوسطة، ومدرسة خاصة ومدرسة لذوي الحاجات الخاصّة، ومعرضاً فنياً دائماً للفنان العالمي المرحوم موسى طيبا، ومستشفى حكومياً يعمل حالياً، لكنه بحاجة لبعض التجهيزات... ولو تساءلنا عن المساهم الأساسي في إنجاز هذه المشاريع، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، فسيكون الجواب، دون نقاش، إنهم المغتربون .
كما أنّ البلدة تشتهر بمغارتها السياحية في منطقة الخشنة وبعددٍ من الأجران الحجرية القديمة في منطقة الحارة الفوقا. وقد أسهم هذان المعلمان بجذب العديد من السياح لزيارتها وخاصّة من المسيحيين. ومنذ مجزرة عام 1996 لم يعد من منزلٍ في لبنان يجهل ساكنوه قانا، فالبلدة ذاع صيتها في لبنان والعديد من الدول والمحافل العالمية، وهي دخلت التاريخ والقلوب من أوسع الأبواب، من باب الشهادة، حين قامت قوات الإحتلال الإسرائيلي بالإعتداء على المدنيين اللاجئين إلى مركز قوات الطوارئ الدولية، ظنًا منهم أنهم سيجدون تحت علم الأمم المتحدة ملجأً آمنًا من إرهاب إسرائيل وعناقيد غضبها، لكن هيهات، فقد ارتكبت إسرائيل واحدة من أبشع جرائمها حين قتلت 107 من المدنيين، أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وجرحت المئات حيث كانت "العادة ولدى وقوع عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق أن يلجأ بعض الأهالي إلى مواقع قوات الطوارىء الدولية العاملة في جنوب لبنان للإحتماء، وخلال مراحل العدوان الجاري تحوّل موقع قانا للقوات الفيدجية العاملة في إطار قوات الطوارىء الدولية في جنوب لبنان إلى مركز للاجئين. وعند الساعة الثانية والدقيقة العاشرة من بعد ظهر يوم 18 نيسان 1996 أطلقت مرابض مدفعية إسرائيلية بعيدة المدى عيار 155 ملم متمركزة داخل الأراضي اللبنانية المحتلة 17 قذيفة بعضها ينفجر قبل ارتطامه في الأرض بسبعة أمتار على موقع القوات الفيدجية في بلدة قانا مستهدفة 3 هنغارات كان يلتجىء إليها الأهالي من بلدة قانا والقرى والبلدات المجاورة، وجلّهم من الأطفال والنساء والمسنّين. وقد نتج عن حفلة الإعدام الجماعية هذه بنيران المدفعية الإسرائيلية مذبحة بشرية أودت بحياة 107 مواطنين بينهم ما لا يقل عن 33 طفلاً، وقد اختلطت أشلاؤهم بعضها ببعض واحترقت أجساد آخرين، مما حال دون التعرف إليها بسبب تفحمها الكامل ومن بين الشهداء عائلات بأكملها". إستمر الإرهاب الإسرائيلي على البلدة إلى أن تجددت الآلام خلال عدوان تموز- آب 2006، حيث ارتكبت إسرائيل مجزرة ثانية في قانا بتاريخ 30 تموز 2006 راح ضحيتها 27 شهيدًا و30 جريحاً أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ .

2 : الموقع الفلكي والجغرافي:
تقع قانا فلكيا على خط الطول17`35º شرقاً وعلى دائرة عرض 17`33º شمالاً، وهي من الناحية الإدارية تتبع لقضاء صور ومحافظة لبنان الجنوبي. تبعد عن مركزالقضاء مدينة صور حوالى 12 كلم وعن مركز المحافظة مدينة صيدا حوالى 50 كلم وكما أنها تبعد عن العاصمة بيروت حوالى 94كلم، وترتفع عن سطح البحر حوالى 300م. يحدّها من الشمال والشمال الشرقي عيتيت ومن الشمال الغربي حناويه ومن الغرب الرمادية ومن الجنوب صديقين ومن الشرق البيّاض ودير عامص، كما أنّ قانا تعتبر معبرًا أساسيًا للقرى المحيطة المذكورة أعلاه، إضافة إلى القرى القريبة كدير قانون رأس العين ومزرعة مشرف ورشكنانيه وجبال البطم وغيرها. كما أنها تقع على الخط الرئيسي الذي يربط مدينتي صور وبنت جبيل، ما جعلها ممرًّا أساسيًّا للمتنقلين بين قرى وبلدات القضاءين، خصوصًا مع إنجاز الطريق الدولية فيها. هذا الموقع الحيوي جعل من البلدة سابقاً مركز جذبٍ وملتقى طرقٍ ومحطة أساسية للسكان من القرى المحيطة. وتعزز هذا الواقع اليوم، خصوصاً بعد تحرير الجنوب من الإحتلال الغاشم .

3 : تاريخ الهجرة من قانا:
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بعد الحوادث الطائفية في جبل لبنان حصلت هجرات قسرية لمسيحيي جبل لبنان نحو مناطق أخرى خصوصا نحو جبل عامل، بدافع الإحتماء، "وقد استقبل العامليون هؤلاء النازحين بالترحاب، فأكرموهم وحافظوا عليهم وأدّى هذا الإحتكاك المباشر إلى معرفة العامليين للهجرة، لأن أبناء جبل لبنان كانوا سبّاقين في هذا المجال". هكذا تعرّف أبناء جبل عامل، ومنهم أبناء قانا إلى الهجرة في هذه الفترة. ومن خلال تتبّعنا للوثائق التاريخية والدراسات السابقة ومن خلال عدّة مقابلات مع كبار السن من أبناء البلدة، وجدنا أنّ تاريخ الهجرة من قانا يعود لأواخر القرن التاسع عشر، حيث نجد أن "من بين الروّاد الخمسة اللبنانيين الأوائل الّذين هاجروا إلى القارة السمراء سنة 1892 مهاجر من بلدة قانا ومهاجران من مدينة صور". وكانت وجهة المهاجرين في هذه الفترة أمريكا الجنوبية وبالتحديد الأرجنتين ، ثم تحولت وجهة المهاجرين نحو أفريقيا الغربية.
من كتاب الهجرة الى قانا , للدكتور الحاج حسين سليمان